البغوي
58
شرح السنة
وَقَوْلُهُ : « مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ » أَيْ : مَنْ كَانَ مُسْلِمًا فَيَتْبَعُهُمْ وَلا يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ . وَقَوْلُهُ : « كَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ » ، لَيْسَ عَلَى مَعْنَى الأَوَّلِ ، إِنَّمَا أُخْبِرَ أَنَّهُمْ لَنْ يَزَالُوا مَتْبُوعِينَ فِي زَمَانِ الْكُفْرِ ، إِذْ كَانَ أَمْرُ الْبَيْتِ الَّذِي هُوَ شَرَفُهُمْ إِلَيْهِم . وَقَوْلُهُ : « خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقِهُوا » ، يُرِيدُ أَنَّ مَنْ كَانَتْ لَهُ مَأْثَرَةٌ وَشَرَفٌ ، فَإِذَا أَسْلَمَ وَفَقِهَ ، فَقَدْ حَازَ إِلَى ذَلِكَ مَا اسْتَفَادَهُ بِحَقِّ الدِّينِ ، وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ ، فَقَدْ هَدَمَ شَرَفَهُ وَضَيَّعَهُ . وَقَوْلُهُ : « تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّ النَّاسِ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الشَّأْنِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ » ، أَرَادَ أَنْ خِيَارَهُمُ الَّذِينَ يَحْذَرُونَ الإِمَارَةَ ، وَيَكْرَهُونَ الْوِلايَةَ ، حَتَّى يَقَعَ فِيهِ ، هَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ يَكْرَهُونَ ، فَإِذَا وَقَعُوا فِيهِ عَنْ رَغْبَةٍ وَحِرْصٍ عَلَيْهِ ، زَالَ عَنْهُمْ حُسْنُ الاخْتِيَارِ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : « سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ وَسَتَكُونُ نَدَامَةً » ، وَقَالَ : « مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا فَقَدْ ذَبَحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ » ، وَالآخَرُ : أَن خِيَار النَّاس يكْرهُونَ الْولَايَة حَتَّى يقعوا فِيهَا ، فَإِذا وَقَعُوا فِيهَا ، لم يكرهوها وَقَامُوا بِحَقِّهَا ، وَذَلِكَ لأَنَّ مَنْ كَرِهَ الشَّيْءَ تَغَافَلَ عَنْهُ ، وَلَمْ يَقُمْ بِالْحَقِّ الْوَاجِبِ فِيهِ هَذَا كُلُّهُ مَعْنَى كَلامِ الْخَطَّابِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .